محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بمعنى " الذي " ، لا بمعنى الاستفهام ، وذلك أن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ . . . يُبْعَثُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمة لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ الذي قد استأثر الله بعلمه ، وحجب عنه خلقه غيره والساعة من ذلك وَما يَشْعُرُونَ يقول : وما يدري من في السماوات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة . وقد : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : قالت عائشة : من زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد ، فقد أعظم على الله الفرية ، والله يقول : لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ . واختلف أهل العربية في وجه رفع الله ، فقال بعض البصريين : هو كما تقول : إلا قليل منهم . وفي حرف ابن مسعود : قليلا بدلا من الأول ، لأنك نفيته عنه وجعلته للآخر . وقال بعض الكوفيين : إن شئت أن تتوهم في " من " المجهول ، فتكون معطوفة على : قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله . قال : ويجوز أن تكون " من " معرفة ، ونزل ما بعد " إلا " عليه ، فيكون عطفا ولا يكون بدلا ، لأن الأول منفي ، والثاني مثبت ، فيكون في النسق كما تقول : قام زيد إلا عمرو ، فيكون الثاني عطفا على الأول ، والتأويل جحد ، ولا يكون أن يكون الخبر جحدا ، أو الجحد خبرا . قال : وكذلك ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ وقليلا ؛ من نصب ، فعلى الاستثناء في عبادتكم إياه ، ومن رفع فعلى العطف ، ولا يكون بدلا . وقوله : ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة سوى أبي جعفر وعامة قراء أهل الكوفة : بل ادراك بكسر اللام من " بل " وتشديد الدال من " ادراك " ، بمعنى : بل تدارك علمهم أي تتابع علمهم بالآخرة هل هي كائنة أم لا ، ثم أدغمت التاء في الدال كما قيل : اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ وقد بينا ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية من إعادته . وقرأته عامة قراء أهل مكة : " بل أدرك علمهم في الآخرة " بسكون الدال وفتح الألف ، بمعنى هل أدرك علمهم علم الآخرة . وكان أبو عمرو بن العلاء ينكر فيما ذكر عنه قراءة من قرأ : " بل أدرك " ويقول : إن " بل " إيجاب والاستفهام في هذا الموضع إنكار . ومعنى الكلام : إذا قرئ كذلك " بل أدرك " لم يكن ذلك لم يدرك علمهم في الآخرة ، وبالاستفهام قرأ ذلك ابن محيصن على الوجه الذي ذكرت أن أبا عمرو أنكره . وبنحو الذي ذكرت عن المكيين أنهم قرءوه ذكر عن مجاهد أنه قرأه ، غير أنه كان يقرأ في موضع بل : أم . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن موسى ، قال : ثنا عثمان بن الأسود ، عن مجاهد ، أنه قرأ " أم أدرك علمهم " وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقرأ بإثبات ياء في بل ، ثم يبتدئ ادراك بفتح ألفها على وجه الاستفهام وتشديد الدال . حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي حمزة ، عن ابن عباس في هذه الآية : " بلى أدراك علمهم في الآخرة " : أي لم يدرك . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي حمزة ، قال : سمعت ابن عباس يقرأ " بلى أدراك علمهم في الآخرة " إنما هو استفهام أنه لم يدرك . وكأن ابن عباس وجه ذلك إلى أن مخرجه مخرج الاستهزاء بالمكذبين بالبعث . والصواب من القراءات عندنا في ذلك القراءتان اللتان ذكرت إحداهما عن قراءة أهل مكة والبصرة ، وهي " بل أدرك علمهم " بسكون لام بل وفتح ألف أدرك وتخفيف دالها ، والأخرى منهما عن قراءة الكوفة ، وهي بل ادراك بكسر اللام وتشديد الدال من ادراك ، لأنهما القراءتان المعروفتان في قراء الأمصار ،